صدفة 

Verschenen in: ATLAS BRUSSEL
Auteur: Nisma Al-Aklouk

 

الحياة قاسية ولئيمة تحتمل أوجها عدة، منها الصدق الذي يتلوّث بسرعة؛ إثر الفساد المنتشر من حولنا، والنقاء الذي يتعكر نتيجة لرفض المجتمع، أو الدولة، بسبب خياراتنا الشخصية، أو خوفنا من العقابيزرعون في داخلنا الكذب منذ الصغر بقصد منهم أو دون قصد، ولذلك خوفا من قسوتهم؛ نصبح مجتمعا آليا ومتلونا أمام الدولة والمجتمع والأقارب ومن ثم الأبوين، ولا ننسى سلطة الأخ  كذلك.

   بسبب هذه الضغوط الاجتماعية؛ نصبح منافقين أمام أنفسنا بجدارة.  وليس هناك ما هو أصعب من هذا . نحن   حصاد المجتمع الذي لم نختره، وعلينا أن نكون ممتنين ومطيعين، وإن كان على حساب سعادتنا أو قراراتنا الشخصية التي لا تؤثر على الجماعة في أغلب الأحيان، ولكن رفضها قد يشقي الفرد، حيث ليس من السهل أن يختار طريقا جديدا، ويسير وحده فيها، إذ سيجري انتقاده ، ثم سيُعلَك اسمه على ألسنة الناس وقتا طويلا؛ مما يترك أثرا سلبيا على الشخص، وقد يدفعه للتراجع أو الاستمرار في طريقه؛  مما يستنفد منه طاقة مهولة، وذلك نتيجة للضغوطات المجتمعية التي عليه أن يمر من خلالها للوصول إلى غايته.

  

هذه كلمات الفتاة التي تجلس بالمقعد الأمامي  في الباص،  حديثها موجه إلى شاب يجلس بجانبها، لم أقصد التصنت عليهما، وحين يكون الحوار شيقا، فيكون الاستماع غير متقصد، بدت الفتاة انفعالية وهي تحاوره والرجل يطأطئ برأسه مُهمهما مرات، ومرات أخرى يخفي عنها عدم موافقته  على ما تقوله.  

هما يتحدثان باللغة العربية، كنت قد تعلمتها قبل خمس عشرة سنة عندما سافرت إلى الأردن وسوريا وفلسطين، رغم صعوبة الأمر إلا أنني أتحدثها الآن بطلاقة، وما بدا صعبا جدا في السابق، أجني ثماره  الآن بلذةأغرمتُ أنا الفتاة البلجيكية باللغة العربية منذ صغري، مما آثار استغراب عائلتي التي تمتد بعض جذورها إلى الإيطالية من ناحية الأب، إذ هاجر جدي من إيطاليا إلى بلجيكا واستقر مع زوجته منجبا ستة أبناء،  أجادوا التحدث بالإيطالية، ثم تزوج والدي بفتاة بلجيكية وبسبب عمله وغيابه عن المنزل لا نتحدث الإيطالية، وفي لحظات وجوده يتحدث إلينا بالفرنسية . 

 بعد انتهاء دراستي الثانوية قررت دراسة لغة جديدة، فاخترت لغة صعبة تختلف بثقافتها عني أنا الفتاة البلجيكية، كذلك بحروفها التي تكتب من الجهة اليمنى، كان تحديا صعبا لي، وكذلك بسبب عائلتي التي فضلت أن أدرس اللغة الإيطالية، وهي اللغة الأم لجدي الذي استقر هنا في بداية الخمسينيات، لكنني لا أتحدثها، هذا  ما يحدث غالبا للأجيال اللاحقة من المهاجرين، حيث يفقدون هويتهم الأصلية تدريجيا، ليرتبطوا  بالبيئة التي نشؤوا فيها وبعض الإجازات الصيفية للدولة الأمالآن أدرك جيدا بأن عدم اختياري للغة الإيطالية كان انتقاما غير مقصود من أبي الذي أهمل دوره في توريث هذه اللغة إلينا

 توقف الباص ليغادره بعض الناس ويدخل إليه أناس آخرون، والفتاة لا تزال تدافع عن وجهة نظرها، والشاب بجانبها يبدو مغرما، لا يريد أن يعكر مزاجها بعدم قبوله لأفكارها التي تطرحها، لذلك اكتفى بالإيماءات، برغم أن حركة جسده تفضحه، لكنها بدت منشغلة بما تقول، لا تنتبه إليه. هو يسرح أحيانا غير منتبه إلى حديثها، يبدو كأنه يأكلها بعينيه.

هي فتاة جذابة بعينيها العسليتين، وبشرتها الحنطية، وشعرها البني الغامق، رغم أنني لا أعرفها إلا من كلماتها التي أسمعها الآن، تبدو شخصية عنيدة، إذ جلستها وطريقتها في التحدث تنم عن فتاة ذكية ومقاتلة، يمكنها أن تترك أثرا جميلا داخل الشخص المقابل، أو تحدياحدة ملامحها تخدع المقابل، صوتها رخيم بعث قشعريرة في جسد الشاب الذي بدا متأثرا بوضوح كبير، ولم يبذل مجهودا يذكر في إخفاء تأثره

 ولكن من هنا يبدو وكأن هذا الشاب المسكين لن يصمد أمامها طويلا،  وكأنه يحتاج إلى قوة إضافية لكي يتمكن من مجاراتها، ويبدو واضحا أنه لا يناسبها، وهي تدرك هذا جيدا، كما تدرك جيدا إعجابه بها، ولذلك تتغاضى عن النظر إليه مباشرة

هي تردد على مسامعه " هذا العالم يشبه ضمائرنا"  ولكنه بدا كأنه غير مهتم بهذا العالم الذي تتحدث عنه، ولا يثير اهتمامه غيرها في هذه اللحظة.

ودّ لو يحتويها بين ذراعيه ليخرسها وتصمت، يبدو بأنه قد اكتفى من جدالها، تجذبه جديتها وكذلك تستفزه وهذا ما يتركه حائرا

 بدا وكأنها تنتظر منه ردا ما، فشعر بالارتباك؛ لأنه كان مهتما بسرقة قبلة منها، ولم يتبع ما قالته، فأجابها  :  " ماذا يشبه هذا الضمير؟ " 

ضحكت بقوة وهي تخبره : الضمير الذي يمثلنا، يمثل الخير والشر، وللأسف كفة الشر ترجح، لذلك تجد هذا العالم السافل ! 

لفّهما صمت عميق، لم يكسره أيٌّ منهما. هي تدرك جيدا بأنه لا يهتم قيد أنملة بهذا العالم الذي تصفه بالسافل، قد يكون هو جزءا مساهما في هذه السفالة نظراتها إليه تتحداه، أنْ يحافظ على لطافته طويلا، تدرك جيدا بأنه يبذل مجهودا قويا لكي يجذبها إليه، وهي تحاول أن تقبل هذا منه،  وهذا لا ينجح بينهما مطلقا، ويمكن لغريبة مثلي أن تلاحظ بأنها تسير نحوه بخطوات امرأة عملية، محاربة وقوية، مبتسمة، لكن الابتسامة متكلفة وغامضة، وكأنها تفكر بشيء ما بعيد جدا عنها، شيء ما تنتظره.  

عدّل ياقة جاكيته الأسود، والتفت إليها بعينيه الخضراوين، ناظرا إليها مطوَّلا، وحين أدرك بأنها لن تبادله النظرات، همس قريبا من أذنها : مشرقة . 

نظرت إليه وهي ترد مجاملته بابتسامة سريعة: شكرا 

 ثم بدأت تبحث في حقيبتها عن دفتر المواعيد، سجلت شيئا، ثم همت بإغلاقه، حين بادرها بالسؤال : كيف جرت مقابلتك الأخيرة للعمل ؟ 

جلستْ مستقيمة، وهي تستعد لتفاصيل مطولة ستسردها عليه، نظر إليها منتبها وهي تقول : ذهبت إلى المكتب المسؤول عن التوظيف للمسجد في بروكسيل، دون غطاء الرأس، استقبلني شيخ عربي بكل حفاوة ! 

ضحك مطولا مستمتعا سائلا : "كيف بدت تلك الحفاوة؟ ".  

فاستطردت حديثها بانفعالية واضحة بصوتها الرخيم:  الشيخ العربي لم ينظر في اتجاهي، تلهّى بشيء ما على يمينه، انتظرت طويلا أن يعير اللقاء انتباهه، لكنه لم يفعل

ربما كان مشغولا بشيء ضروري . 

لم ينظر في اتجاهي،  وقفت أمامه كالمسمار لا أتحرك ولا أتحدث. انتظرته يبدأ الحوار لكي نبدأ محادثة طبيعية، لكنه لم يفعل . 

هو: وأنتِ؟ 

انتظرته طويلا، فوجد أن لا مفر من الأمر؛ فبدأ بكلمة واحدة لا غير.  

_  حدث ما أردته إذا، ماذا قال ؟ 

لا شيء مهمقال تفضلي!"  تجاهله أثار حفيظتي، فسألته مباشرة : "هل معاملتك الخاصة سببها عدم ارتدائي الحجاب؟ هل يمكننا تقييم الناس من ملابسهم، من خلال الأفكار المسبقة التي نكونها بتسرع؟ أخبرته أن الإسلام الذي أعرفه هو دين معاملة وليس تجاهلا، وبأنني احتراما للمسجد سأرتدي الحجاب".  

أتخيل بأنه احترم قرارك

هو اختصر جوابه بعد أن استقام بجلسته ناظرا نحوي" : نفضل ارتداء الحجاب دائما" . 

إذا لم يرضه بأنك سترتدين الحجاب احتراما للمسجد؟ 

أنا أفهمه كليا بالنسبة لهذه النقطة، لكن بالنسبة لخياراتي الأخرى أنا حرة تماما

قال الشاب متأكدا : لم تحصلي على العمل إذا ! 

تنهدتْ وهي تقولكنت قد أدركت بأن لا فرصة لي في الحصول على العمل بعد انخراطنا في نقاش ديني طويل.  

ثم استطردتْ: هل تعرف رد فعل جارتي الفلسطينية المسيحية حين أخبرتها بما حدث مع الشيخ؟ 

ماذا فعلت ؟ 

ما قالته تماما هاتفة: "هذا رجل دين"! ما لا أفهمه وإن كان رجل دين،  ألا يمكننا انتقاده، أو نقاشه؟  

بدا مترددا في الإجابة فاستطردتْيجب أن لا يحول بيننا والله أي أئمة أو قساوسة أو أحبار

بدا حائرا، ولا يجد الكلمات التي تسعفه أمامها: بالتأكيد، فعلاقتنا مع الله خاصة بنا . 

عادت لتقول الفتاة الشابة بلهجتها الفلسطينية المحببة إلى قلبي:  علينا ألا نفرض مبادئنا أو قيمنا على الآخرين، ربما بهذه الطريقة تنتهي الفوارق الإنسانية، فالله يقبع في داخل كل واحد منا، ونحن من نختار الطريقة التي تناسبنا

كما المرات السابقة حاول أن يعقب هذا الشاب بلطف:  مثالية جدا حيث لا يمكن تطبيقها في الحقيقة، في النهاية الإمام له مكانة معينة، وكان يمكنك أن ... 

قاطعته: هل هو مُنزل من السماء ؟ هو مجرد إنسان مجتهد قد يخطئ وقد يصيب، علينا أن نتخلص من تقديس الأشخاص، والتخلص من العادات التي تقتلناكيف يجوز له أن يعاملني باستخفاف لأنني لا أرتدي الحجاب؟ في حين عمله هو تصدير الإسلام للغرب غير المحجب.

الدين الذي أعرفه هو معاملة وأخلاق . وإن أساء معاملتي كيف يمكنه نقل صورة إيجابية؟ متى كان الإسلام عنف وتطرف؟ عمله في هذا المنصب المهم مسؤولية عليه ألا يقبله إن لم يكن أهلا لها.  

طأطأ الشاب رأسه متمتما: مشكلتكِ بأنك تأخذين الأمور بجدية كبيرة الحياة ممتعة فاستمتعي بها

أجابتهاستمتاعي بالحياة لا ينقص من مسؤوليتي تجاه هذا العالم، ولو تحمل كل واحد منا مسؤوليته، لن يكون هذا العالم بهذا القدر من السفالة

شعرتُ بأن صديقها قد صدم من ردها القاسي، ربما يحاول التخفيف من وطأة الأمر عليها، ولكنه لم ينجح سوى بإيلام نفسه، فالتزما الصمت.  

غريب هذا العالم المتناقض، لا يتم قبول هذه الفتاة في العمل بسبب عدم ارتدائها الحجاب، في حين يتم رفضي من العمل بسبب ارتدائههي رُفضت من مجتمعها وأنا رُفضت من مجتمعي رغم أننا نعيش داخل المدينة نفسها، كلاهما متشابهان، يفرضان علينا ما يحتاجانه، يصدران إلينا ما يريدان منا أن نصبح عليه، ولا يسمحان لنا أن نكون على ما نحن عليه. 

خيَّم صمت قاتل بينهما، ولولا الضجة في الباص لقتلنا صمتهما.  نهض الشاب عن مقعده مستعدا لمغادرة الحافلة حين توقفت في محطته المنشودة، ودعها باسما وهو يناديها باسمها " سارةوهذه كانت محاولة منه لتلطيف الأجواء. بمجرد مغادرته التقطتْ كتابا من حقيبتها مستأنفة القراءة وكأن شيئا لم يكن وكما يبدو لم يترك هذا الشاب في داخلها تأثير يذكر.  

خرجتُ من الحافلة وسارة لا تزال على حالتها من التركيز كنت أود لو أناقشها قليلا عن هذا العالم الذي تتحدث عنه، حيث يشبه بعضه عالمي، خفت من أن تظن بأني فضولية تسترق السمع إلى أحاديث الغرباء، خاصة وأن حوارنا سيستغرق وقتا طويلا والباص ليس مكانا مناسبا أبدا على الأغلب ستوجهُ لي نفس السؤال الذي اعتاد  من لا يعرفني أن يسألني إياه وهوما قصة حجابي وأنا الفتاة الأوروبية المسيحية المتدينة؟  

كما هي عادتي دائما، أستدرك ما أريده لاحقا، لأشعر بالندم لأنني لم أمتلك الشجاعة الكافية لفعله كما حدث بالفعل مع سارة . لا تزال كلماتها في رأسي، وفضولي يزداد نحوها، ما أعرفه بأنها فتاة فلسطينية واسمها سارة مع تقدم هذه التكنولوجيا لم أتمكن من الحصول على أي معلومات إضافية قد تُوصلني إليهاولكنني ميزت لهجتها الفلسطينية بوضوح حين كانت تتحدث إلى زميلها

فتحتُ الكمبيوتر المحمول بعد دخولي المنزل وبدأت عملية البحث عن سارةونسيت ترتيب الحاجات التي أحضرتها، في هذه اللحظة تمنيت لو تطورت هذه التكنولوجيا أكثر، لكي نستعين بها حين نجهل المعلومات الكافية عن الشخص، نصفه مثلا؛ لكي يجده الكمبيوتر لنا. مثلا قد أصفها بأنها فتاة اندفاعية وحالمة ببشرة حنطية لوّحتها أشعة الشمس قليلا، عنيدة ولسانها سليط بصدقه، ولا تعرف كيف تجامل، نحيفة جدا ويبدو كأنها فقدت الكثير من الوزن مؤخرا، شعرها قصيرا جدا، رغم أن الشعر الطويل عادة هو القَصة الرائجة والمستحبة في الشرق الأوسط، إلا أنها تبدو مرتاحة بقصة البوي" مع روج  عنابي^، تضعه على شفاهها الرفيعة فتفتح الشهية لقبلة، هذا اللون  يبرز حدة ملامحها، فتبدو جذابة بملابسها البسيطة غير المتكلفة كذلك.  وكأنها تريد أن تقول شيئا ما 

مرت ساعة كاملة ولم أجد خيطا واحدا يدلني إليها.

 في هذه الساعة من يوم الأربعاء يعود أولادي باكرا من المدرسة، أعدّ وجبة الغداء ونتناولها معا.  بما أنني عاطلة عن العمل فأصبحت متفرغة كليا لهما. برغم أنه ليس من السهل التعامل مع توماس، بسبب رفضه لحجابي، حيث يشعره بالخجل حين يراني أصدقاؤهوكما يقول بأنه يحتاج إلى التبرير لهم، بأن عائلته غير مسلمة وأنني كاثوليكية، وبأننا نعد طبق الحلوف على وجبة العشاء. 

فقد ارتبط أكل الحلوف بالنسبة لطلاب المدارس بالديانة الإسلامية، حيث يصنف الأكل دائما  حسب الديانة التي يتبعها الشخص، والأكل الذي يجوز للمسلم، يسمى بالأكل الحلال، وهذا يعني خلوّه من لحم الخنزير. برغم أن اليهودي لا يأكله أيضا وبعض المعتقدات في الهند والنيبال مثلا وبعض الدول الآسيوية 

كما قد ارتبط الحجاب بالإسلام، رغم أن هناك العديد من الدول ترتدي نساؤها الحجاب بسبب العادة أو الموروث الثقافي.  

خسرتُ زوجي مقابل فتاة روسية عشرينية شقراء، يظن توماس بأن الحجاب هو سبب هذه الخسارة، ولكن الأمر قد بدأ منذ فترة طويلة جدا، والحجاب كان حجته للطلاق،  فقد خانني قبلها بسنوات عدّة

 سمعتُ صوت إغلاق الباب، وأنا أضع لمساتي الأخيرة على المائدة في المطبخ، لابد أن يكون توماس هو من وصل أولا، كعادته يصعد السلالم نحو غرفته مباشرة بعد عودته، فيما نادية تلقي التحية قبل صعودها إلى الغرفة لتغيير ملابسهاصعدتُ إلى غرفته وقبل أن أطرق الباب، سمعته يتحدث مع شخص ما في الداخل، لذلك عدت أدراجي إلى الأسفل.  

جلستُ أمام شاشة الحاسوب مجددا، أبحث في جوجل عن كيفية إيجاد شخصا ما من خلال شبكات التواصل الاجتماعية، جربت طرق كثيرة بصبر كبير، وسجلت في كثير من الصفحات النشيطة من أجل القضية الفلسطينية، واشتركت في كثير من المواقع كذلك لكي يصلني إشعار، إذا وجد شيء ما، ربما قد ألقاها مجددا من خلال هذه الأنشطة

دخلت نادية إلى البيت، ألقت التحية كعادتها، ومن ثم صعدت نحو غرفتها، كنت أنظر إليها وأنا أتساءل كم تشبه والدها، تحمل لون عينيه الرماديتين، وشعره العسلي، ممتلئة قليلا مثله تماما، تفهمني وتساندني دائما برغم صغر سنها،  حيث لم تتم الرابعة عشرة بعد، في لحظات كثيرة نستبدل أدوارنا تماما لأصبح ابنتها ولتغمرني بحنيتها، لا أعرف كيف حدث وأن كان لي بنت مثلها، أشعر وكأنها هدية الرب لي في هذه الدنيا 

ما زلتُ أتذكر حين كانت في عمر التاسعة وقد رفضتْ تناول وجبة العشاء معنا لاحتوائها على اللحم، قَررتْ في ليلتها أن تصبح نباتية، احترمتُ قرارها فورا، منذ تلك اللحظة وأنا أحضر لها شيئا مخصوصا، ساندتها مقابل والدها الذي اعتبر صغر سنها غير مناسبا لاتخاذ هذا القرارساندتها في ذلك الوقت وحتى لحظتنا هذه، بالمقابل هي قدرت هذا وعاملتني بالمثل واحترمت خياراتي وإن بدت صعبة بالنسبة إليها 

 دائما ما تقول بأني وثقت فيها وفي خياراتها ولذلك هي تحترم اختياراتي وإن لم تتفق معها.لأننا لا يمكن أن نكون متشابهتين، وإن حاولنا تغيير الأشخاص من حولنا لن يجدي نفعا ولكن  سيصيبنا وجع نتيجة لذلك. وقد نخسر أحباءنا

 ابنتي تفاجئني بأفكارها، وكأن ما مررنا به جعلها تكبر بسرعة، أخاف أن تلومني لاحقا على ذلك. أنا سعيدة بأني وثقت بها في حينها، فما لبث أن اتضح بأنه قرار جدي بالنسبة إليها ولم يكن القرار وليد اللحظة ومؤقتا، مازالتْ نباتية ولا أزال  أحضر لها وجبتها الخاصة التي أشاركها بها في بعض الأحيان.  أتركها تكتشف بنفسها إن كان جيدا أو سيئا، هذا ما تمنيته من عائلتي، ولكنني كنت مضطرة لأن أحارب من أجل ما أريد، وأن أخوض حروبا لكي أقنعهم بمساندتي أو بتقبلي؛ الأمر الذي أنهكني، لطالما تمنيت منهم المساندة والتفهم. لذلك أحاول أن أكون لها الأم التي تمنيتها لنفسي.  

اليوم هو أحد أيام مارس المشمسة، عادة ما يكون باردا وتمتلئ السماء بالغيومالجو منعش وهذا حظ كبير نستغل هذه الفرصة في التنزه، لتلوح الشمس بشرتنا الشاحبة قليلا، وننفض عن جسدنا الكسل، بعض الأحيان يخرج تومي ليريض كلبه في هذا الجو المشمس،  فيما يقع علي عبء هذه المهمة أثناء الأيام الباردة والمتلبدة بالغيوم.  بما أنني عاطلة عن العمل منذ ثلاث سنوات بسبب الظروف التي مررنا بها، فتجده يستغل ذلك جيدا، وأنا في سبيل تحسين علاقتنا المتوترة أبادره في أغلب الأحيان.

 مؤخرا بدأت أشعر بأن طريقتي لا تجدي نفعا، وهو يعرف كيف يستغل هذا الشيء لصالحه، ليس من السهل أن أكون أما لابن في الخامسة عشرة من العمر، تومي حاد بطباعه،  منذ صغره وأنا أحتاج معه إلى طريقة مختلفة، لم تنجح معه أي من العقوبات التي فرضت عليه في صغره، منذ طلاقنا بدا وأننا نفقد السيطرة، وباللاوعي بدأنا أنا ووالده نعذر أخطاءه ونتسامح أكثر مع هفواته، وهذا الشيء أضرّ به، وفقدنا السيطرة عليه، التحدث مع والده لم يجدِ نفعا، وأجدني هنا أتحمل هذه المسؤولية الصعبة وحدي، فيما في بعض الأحيان تساعدني نادية حين يتعسر علي إيجاد الطريقة المناسبة للتعامل معهوعمرهما المتقارب يجعلها تفهمه أكثر مني

الجو جميل بشكل لا يصدق ويغريني لتناول وجبة الغداء في الخارج،  هناك حديقة كبيرة قريبة من المنزل، هذا الجو المشمس الرائع لا يتكرر كثيرا في مارس.  نقيم في حي أتار بيك" وهنا على بعد خمسمائة متر من المنزل يوجد بارك كبير "ساكونت نيريمتد من شارع " رو دي تونجر"  و يطل على اتجاهات عدة منها ساحة شومان الذي  يقع على جانبه الأيسر مقر الاتحاد الأوروبي . 

في مدينة بروكسل نجد الحدائق العامة الكبيرة تتوفر بكثرة، حيث لا يكاد يخلو منها حي، دائما ما نجد البارك يمتد إلى عدة شوارع،  يكتظ بالناس خلال الأيام الحارة  ويكاد يكون مهجورا خلال الأيام الباردة إلا من بعض الرياضين الذين يمارسون رياضة الجري صباحا حول حدود الحديقة العامة رغم برودة الجو.  

لكن هذه الفكرة على الأغلب لن تلقى قبول تومي الذي يتحاشى الظهور معي خارجاعليه أن يتعلم سريعا احترام قراراتي وتقبلني كما أنا، حيث لم تنجح معه سابقا أي من محاولاتي اللطيفة. ربما سأحتاج معه إلى بعض الصرامة. سمعت صوت خطواته يهبط سلالم الدرج، بصحبة صديقته كيم، لابد كان يتحدث إليها حين هممت بطرق باب غرفته قبل قليل

 _ الجو جميل، وقد حضرت الغداء لتناوله في الخارج، لنستفيد من هذا الجو المشمس، نحتاج إلى فيتامين دي . 

 أجابني بفظاظة كعادته: يمكنك تناول حبوب فيتامين دي ! 

كما قلتُ؛ سنخرج

_ــــــ  أنا أفضل تناول وجبة الطعام داخل المنزل

          شعرتُ بأنها اللحظة المناسبة لكي ألقنه درسا فقلت بصوت رفيع بدا حازما إما أن تتناوله معنا خارجا، أو تنام على معدة فارغة، ويمكنك اختيار ما يناسبك، أما صديقتك فيمكنها الانضمام إلينا إذا رغبت

 

منذ فترة لم أر نظرة الصدمة تطلّ من عينيه، حيث لم يتوقع هذه الجدية مني،  وقد ظن بأنني سأتنازل أمام رغبته كما في المرات السابقة، هو لا يعرف مدى تعبي من هذه الحالة، لذلك إن كان سيعيش معي تحت  سقف هذا المنزل، فعليه أن يحترم قوانيني

هتف منزعجا وعاد إلى غرفته وقد تبعته صديقته، انضمت نادية  لاحقا، وهي تتساءل عن سبب هذه الفوضى

_ عليه أن يتعلم احترام قوانين هذا البيت . 

لم تقل شيئا واكتفت بأن أومأت برأسها، خلال ربع الساعة كنا في الطريق العام متجهين نحو البارك والكلب بصحبتنا.  

تناولنا وجبتنا بكل هدوء، استلقت نادية على ظهرها والسماعات في أذنيها، وأنا كنت أراقب الناس ولكن في حقيقة الأمر لم أكن أر ملامح أو تفاصيل، كأنني كنت أخترق أجسادهم، وأحاول أن أعرف كيف يمكن أن نكون مختلفين بهذه الطريقةمنذ فترة طويلة جدا؛ كنت خالية الهمّ، يغريني كل ما هو غريب، وقعت في الحب بجنون،  قبل ذلك بكثير كنت آخذ ما تقدمه هذه الحياة بكل سرور

حين عدت إلى المنزل لأشارك والدي بقراري في الالتحاق بجامعة لوفان الكاثوليكية " للدراسة باللغة الفلمانية والعربية، لم يكن اقناعهما سهلا في البداية ومن ثم اعتادا الأمر، والدتي من فضلت دراستي باللغة الفرنسية، حيث جامعة لوفان هي أول جامعة بلجيكية وتم إعادة تأسيسها بعد الحقبة النابليونية، حيث تم اغلاقها خلال فترة حكمه، ومن ثم تم تقسيم الجامعة إلى شطرين يحملان نفس الاسم، إحداهما تنطق باللغة الهولندية، والشق الآخر باللغة الفرنسية، وبالنسبة لوالدتي بدا غريبا عليها أن أختار اللغة الهولندية وقد كان يمكنني اختيار الشق الفرنسي حيث لغتها، وجامعتها كذلك

عادة ما نجد البلجيكي الناطق باللغة الفرنسية لا يبادر لتعلم اللغات الأجنبية، بينما البلجيكي الناطق بالهولندية غالبا ما تجده يتحدث أكثر من لغةوبالطبع والدتي فضلت في وقتها أن أحافظ على طقوس عائلتها المتحدثة بالفرنسية، يبدو كأنني خيبت آمالها في وقتها، ولكن قد بدا قرارا جيدا لاحقا، فتح عيني على العالم والشرق الأوسط . كما هو السبب الرئيسي لثقتي  بالقرارات التي تتخذها نادية،  وهذا ما جعل الأمور بيننا سهلة، والثقة متبادلة، فأشعرُ بالامتنان بأن قراري كان صائبا في حينها.  

وصلتُ أنا ومجموعة من الطلاب أثناء دراستي الجامعية، إلى بلدة بيت ساحور حيث تقع في ضواحي بيت لحم، استضافت المجموعة كلَّها عوائلُ فلسطينية، وأنا أقمتُ بين عائلة فلسطينية مكونة من ثمانية أفراد، كنت يافعة جدا، مهتمة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، و شعري كان ورديا مع بعض الخصلات الزرقاء، ونحيفة بشكل مخيف.  أبو علي هو الجد الذي يقيم معهم في المنزل نفسه،  هو من استقبلني في ذلك الصباح. تحدثنا سويا واستمعت إليه بانتباه كبير. أحببت الجلوس بجانبه والاستماع إلى قصصه المسلية، برغم عمره الثمانيني، بدا قويا وذاكرته صلبة، مع أدق التفاصيل الممتعة.  

في اليوم الأول ما بعد الظهر؛ خلد أبو علي إلى النوم . قد تعرفت إلى بعض أفراد العائلة، ولكن الصغار لا يزالون في دوامهم المدرسي، وابنهم الكبير في عمله، والأم زينة تعمل كمدرسة في أحد مدارس وكالة الغوث، قد تحدثنا سابقا عبر الهاتف، ولكننا لم نلتق بعدخرجت مع المجموعة لزيارة بعض الأماكن القريبة، قبل عودتها من العمل

 عدت الى البيت بعد يوم طويل ومرهق، زرنا من خلاله بيت لحم وكنيسة المهداستقبلتني زينة بالأحضان، ومن ثم قدمت لي وجبة طعام ساخنة، برغم أنني أخبرتها أنها غير مضطرة للتحضير خصِّيصا لي، ووعدتها أن أكون حاضرة أثناء تناول الطعام لمساعدتها

 في المساء جلست مع الجد أبو علي، مستمتعة بقصصه، كنت لا أفهم كثيرا من الكلمات التي يستخدمها، لتقوم زينة بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، كنت أحمل دفتر الملاحظات وقد دونت كثير من الكلمات والمفردات التي تعلمتها منه. دخلنا إلى المطبخ لتحضير الشاي على الطريقة الفلسطينية حيث الميرمية أثناء فصل الصيف، والنعناع أثناء فصل الشتاء كما أخبرتني زينة.  

استخدمنا الميرمية بما أننا في فصل الصيف، نادى عليها أحد أبنائها لتساعده ببعض الواجبات المدرسية، كنت أحضر الأكواب الخاصة بالشاي حين دخل شاب أسمر البشرة، متوسط الطول، شعره ناعم وطويل يكاد يغطي رقبته، نظر إلى ومن ثم تكلم باللغة الانجليزية 

_  انت لور، أليس كذلك ؟  

قبل أن أجيبه دخلتْ زينة إلى المطبخ وهي تسأله :  تعرفت على لور؟  

نظر إلي مدققا ومن ثم أجاب والدته باللغة العربية بتطلع حلوة لو غيرت لون شعرها الملون ! 

 توترت الأم ومن ثم بدأت تتحدث إلىّ: عمر يحب المزاح !  

عمر: هيا طلعت بتفهم عربي؟! وبدا خجلا قليلا .  

ابتسمتُ لأتفادى هذا الإحراج، ثم قلت بالعربية: أهلا عمر، تشرفت بمعرفتك .  

مد يده للسلام، كما العادة هناك، ونظر إلى مطولا: أهلا بكِ ! 

                     في حينها ربما بدا مضحكا بالنسبة إليه تحدُّثي بالعربية الفصحى، رغم أنه بدا مستغربا أكثر، استأذن منا ومن ثم دخل إلى غرفته، بعد أن أخبر والدته بأنه تناول وجبة العشاء بالخارج مع أصدقائه. هي تذهب إلى عملها يوميا، وتهتم بأولادها الخمسة، وكذلك الجد وهو والد زوجها الشهيد، ووالدتها المصابة بالزهايمر التي تحتاج إلى رعاية دائمة منهافتحضر وجبة الغداء ثلاث مرات وربما أكثر بسبب المواعيد المختلفة لأفراد العائلة في العودة إلى المنزل، تبدو كذلك وكأنها عادة في أنحاء فلسطين. لذلك تجد بأنه يقع على كاهلها عمل كثير لا ينتهي

 سألتها: " ألا يتعبك هذا المجهود؟"  

 ابتسمت ثم أجابتني بأنها اعتادت ذلك منذ تسعة أعوام، حين استشهد زوجها واضطرت أن تتحمل مسؤولية هذه العائلة بمفردها.  

 أعرف بأنها لا تعرف كيف تستريح وتستمتع وسط هذه الضغط المستمر والمتطلبات التي لا تنتهي، لذلك لا تشتاق إلى الراحة.  

كانت بيننا طاقة ايجابية، شعرت بها كلتانا، هي تبدو أصغر من سنواتها الأربعين وإن رأيت تناسق جسدها، لا تصدق بأنها أنجبت خمس مراتعمر هو ابنها البكر، ومن ثم يليه فادي الذي لا يزال على مقاعد الدراسة الجامعية، ومحمد في الثانوية العامة، أحمد ومي توأمان في المرحلة الإعدادية. فادي هو من استقبلني صباحا مع الجد، بدا لطيفا، يصغرني بعام، لكنه بدا وكأنه أكبر من أعوامه العشرينجمعتني علاقة جيدة مع الجميع، لكن علاقتي وعمر بدت متوترة منذ البداية، لم يخرج من غرفته ذلك المساء، ولا أعرف لماذا أزعجني هذا، كنت  أسترق  النظر  نحو باب غرفته، حتى فقدت الأمل في خروجه من الغرفة، فاستأذنت الجميع وخلدت للنوم بعد يومي المتعب

_ ماما ؟؟ 

لم أنتبه إلى صوت نادية في البداية، بدا وكأنها تناديني منذ فترة، وأنا منشغلة بذكرياتي الجميلة، كانت نظراتها تثقبني، وكأنها تفهم ما أمُرّ به، وكأنها تتمشى بعقلي متلصِّصة على ذكرياتي

_ أجل ما شيري ؟ 

_ وصلتك رسالة عبر الهاتف

حين قرأتُ الرسالة، قمتُ من مكاني بسرعة؛ مما آثار استغرابها، فطلبت منها الاهتمام بالأشياء والعودة إلى المنزل بمفردها، لأن عليَّ الذهاب إلى مكان ما الآن.  

وصلتُ المنزل قبلها، غيّرتُ ملابسي بسرعة، والتقطت حقيبتي، بعد أن تأكدت من احتوائها على الكارت الخاص بالمواصلات العامة والمحفظة ومفاتيح المنزل، من ثم خرجت مسرعة حيث يوجد وقفة أمام السفارة الإسرائيلية، لابد سأجد سارة هناك.

 

 

 

ملاحظة: فصل من رواية " هنا بروكسيل".

الرواية تتحدث عن خمس شخصيات نسائية مختلفة الجنسية يعيشن جميعهن في بروكسيل، لور  الفتاة البلجيكية وسارة الفتاة الفلسطينية  داخل هذا الفصل  يمثلان شخصيتين من الشخصيات الخمسة.

اللون العنابي^: هو لون بني محمر كلون العنب .

 

De vertaalde tekst lees je in de papieren versie van DW B 2017 1 ATLAS BRUSSEL.